fbpx
الصحة العامة

ما الذي يحدث للجسم بعد الوفاة؟

قد تنتهي رحلتنا في هذا العالم عندما نموت، لكن يعتبر الوضع مغايراً بالنّسبة لأجسادنا؛ حيث يبدأ بعمليّةٍ طويلةٍ من التخّلص من مكوّناته. وفي هذا المقال سنتعلّم أكثر عمّا يحدث للجسد عندما يتحلّل.

يؤلمنا رحيل الأشخاص المقرّبين عن هذه الحياة، لكن ما الذي يحدث عندما توارى أجسادهم الثّرى؟ وماذا يحدث للذين يتمّ حرق جثّتهم أو تحنيطها لتأجيل عمليّة التّحلّل والحفاظ على مظهر الجسد الحي أطول فترةٍ ممكنةٍ؟

في الظّروف العاديّة، وإن ألقي الجسد في بيئةٍ طبيعيّةٍ أو دفن في قبرٍ غير عميق فإنّه سيبدأ بالتّفسّخ حتّى لا يبقى فيه غير العظام.

وفي ضوء ذلك، نصف عمليّة التّحلّل ونوضّح فائدتها ونتعلّم أكثر عما يحدث للجسد بعد الموت.

ما الذي يحدث عند تحلّل الجسد؟

قد تلتبس علينا المفاهيم فلا نميّز بين التّحلّل والتّفسّخ. حقيقةً، يعدّ التّحلّل في جسم الإنسان عمليّةً طويلةً تحدث على مراحل عدّة والتّفسّخ إحداها.

ويعرف التّحلّل بعمليّة تفكّك المكوّنات العضويّة المعقّدة للكائن النّافق وانفصالها إلى عناصر أبسط.

ويعرّفها عالم الطّب الشّرعي إم لي غوف M.Lee Goff بالعمليّة المتواصلة التي تبدأ من لحظة الوفاة وتستمرّ حتى لا يبقى في الجسم غير الهيكل العظمي.

العلامات التي تدلّ على بدء عمليّة تحلّل الجسم

من أبرزها:

  • الزّرقة الرّمية livor mortis
  • التّخشّب الموتي rigor mortis
  • برودة الموت algor mortis.

الزّرقة الرّميّة

وتسمّى بالزّرقة وهي النقطة التي تصبح فيها الجثّة شاحبةً بعد الموت؛ ويرجع ذلك لتوقّف جريان الدّم وتوقّف نبضات القلب. حيث يبدأ الدّم بالتّركّز في المناطق السّفلية من الجسم وذلك بفعل الجاذبيّة الأرضيّة، مما يؤدّي لشحوب البشرة. وقد تبدأ هذه العمليّة بعد نصف ساعةٍ من الوفاة وتستمرّ من 9 إلى 12 ساعةً بعدها.

التّخشّب الموتي

يصبح الجسم صلباً وغي قابلٍ للثّني، كما تصبح العضلات مشدودةً نتيجة التّغيّيرات الحاصلة على الصّعيد الخلوي. ويحدث التّخشّب بعد مضي ساعتين على ست ساعاتٍ من الوفاة وقد يستمرّ من 24 إلى 48 ساعةً. وبعدها تعود العضلات لمرونتها وارتخائها.

برودة الموت

ونتعرّف عليها عندما يصبح الجسم بارداً نتيجة توقفّه عن تنظيم الحرارة الدّاخليّة. وتتعلّق درجة برودة الجسم بحرارة المحيط حيث تتطابق الدرجتان بعد مضيّ 18 إلى 20 ساعةً بعد الموت.

وتتضمّن العلامات الأخرى على التّحلل:

  • اكتساب الجسم مسحةً خضراء
  • انسلاخ الجلد
  • التّجزيع
  • بقع سوداء
  • التّفسّخ.

العلامات الأخرى الدّالة على التّحلل

يرجع اللون المائل للاخضرار في الجسم بعد الموت نتيجة تراكم الغازات في فجوات الجسم، وأهمّ مكوّناتها سلفيد الهيدروجين hydrogen sulfide. والذي ينتج بتفاعله مع الهيموغلوبين ما يسمّى سلفهيموغلوبين sulfhemoglobin أو الصّباغ المائل للخضرة والذي يعطي الأجسام النّافقة لونها الغريب.

ويعتبر انزلاق البشرة (أي انسلاخ الجلد عن الجسم) أمراً طبيعياً نظراً لأنّ كامل الطّبقة الحامية للجلد مكوّنةٌ من خلايا ميتة وتدعى بالطّبقة القرنيّة. وتلعب هذه الطّبقة دوراً هاماً في الحفاظ على رطوبة وحماية الطّبقة الدّاخلية (الحيّة) من الجلد.

ويتمّ باستمرار تبديل هذه الطّبقة بالبشرة الدّاخليّة؛ وإن بقيت الجثّة في مكان رطبٍ بعد الوفاة، تنسلخ هذه الطّبقة عن البشرة الدّاخليّة ويمكن نزعها بسهولةٍ عن الجسم.

وتعرف الحالة التي ينسلخ فيها الجلد تماماً عن يد الميت ب “تشكيل القفاز”.

وتحدث ظاهرة “التحول للرخام” عندما يهاجر نوعٌ معيّنٌ من البكتيريا الموجودة في البطن إلى الأوعية الدّمويّة محدثةً فيها مسحةً أرجوانيّةً مخضرّة. وهذه الظّاهرة تعطي بعض أجزاء الجسم كالجذع والأطراف مظهر الرّخام المعرّق.

وأيضاً نلاحظ ظاهرة البقع السّوداء التي تحدث عندما تبقى العينان مفتوحتين مما يؤدّي لجفاف الجزء الظّاهر من القرنيّة، تاركاً تبدّلاً لونيّاً من أحمرٍ برتقالي إلى أسود.

وأخيراً التّفسّخ، وهي عمليّة إعادة التّدوير الطّبيعة لنفسها. ويساعد عليها التّأثيرات المجتمعة للعوامل البكتيريّة والفطريّة والحشريّة والكاسحة والقمّامة مع مرور الوقت، حتى يتعرّى الجسم من جميع الأنسجة الرّخوة ولا يبقى فيه غير الهيكل العظمي.

مراحل التّحلّل

وقد اختلف العلماء حول عددها، لكن يمكن تقسيمها إلى خمس مراحل هامّةٍ:

  • تسمّى الأولى بالمرحلة الطّازجة:
    وهي التي تحدث بعد الموت مباشرةً حيث تظّهر بعض علامات التّحلّل فقط على الجسم. وتتضمّن هذه المرحلة مرحلة التّبدّل اللوني المائل للاخضرار والزّرقة الرّميّة والبقع السّوداء. ونلاحظ وجود بعض الحشرات في هذه المرحلة وخصوصاً الذّباب الذي يضع بيضه، وتفقس اليرقات لاحقاً والتي تساهم في تعرية الهيكل العظمي المحيط من الأنسجة الرّخوة.
    تقول التّقنيّة في علم الأمراض كارلا فالنتاين Carla Valentine :”رغم أنّ هذه العمليّة قد تبدو لنا مقزّزةً إلا أنّ الذّباب واليرقات قد خلقت للقيام بهذا العمل, وتدعى بحفّارات قبور العالم الغير مرئيّة.
    ويدعى النّوع الرّئيسي من الذباب واضع البيض في الجثث بذباب الخومع bluebottles من فصيلة الخوتعيات Calliphora genus. ويضع بيضه في فتحات الجسم أو الجروح فقط، وذلك لأن اليرقات الصّغيرة تحتاج أن تتغذّى على اللحم المتفسّخ لكنّها لا تستطيع تمزيق الجلد.
    والنّوع الآخر من الذّباب لا يضع البيض بل اليرقات الصّغيرة، وهي تستهلك اللحم مباشرةً وتدعى بالمستلحمات أو الذّباب آكل اللحم.
  • تدعى المرحلة الثّانية من التّحلّل بمرحلة الانتفاخ:
    تحدث عندما يبدأ التّفسّخ. ويؤدّي تجمّع الغازات في البطن إلى انتفاخه مما يعطي الجسم المظهر المتضخّم.
  • المرحلة الثّالثة: مرحلة التّفسّخ
    حيث يتمزّق الجلد نتيجة التّفسّخ وفعل اليرقات مما يسمح للغازات المتجمّعة بالخروج، ولهذا السّبب تصدر عن الجثّة رائحةٌ قويّةٌ مميّزة.
    وتصف الحانوتيّة كاتلين دوتي  Caitlin Doughty هذه الرّوائح بقولها: “إنّ أول ما نلاحظه في مرحلة تفسّخ الجسد رائحةٌ خفيفةٌ لعرق السّوس مع رائحة حمضيّةٍ غير طازجةٍ نافذةٍ للأنف, والنبّيذ الأبيض غير الطّازج الذي يجتذب الذّباب, مضافاً له رائحة سمكٍ متروكٍ في الشّمس.”
  • تسمّى المرحلة ما قبل الأخيرة بمرحلة بعد التّفسخ
     وفيها يتخلّص الجسم من الجلد والغضاريف. وفي هذه المرحلة يأتي دور أنواع مختلفةٍ من الخنافس التي تزيل الأنسجة الرّخوة تاركةً فقط العظام.
  • تسمّى المرحلة الأخيرة بالمرحلة الهيكليّة
    التي لا يبقى فيها غير الهيكل العظمي وأحياناً الشّعر.

وتعتمد المدّة التي يتفسّخ فيها الجسم بشكلٍ كبير على المنطقة الجغرافيّة التي وجدت فيها الجثّة والتّفاعلات والظّروف البيئيّة. وقد تحنّط الجثّة إن وجدت في مناخٍ جافٍّ ذي حرارةٍ منخفضةٍ أو عاليةٍ.

الخلاصة

قد يتبادر إلى أذهاننا كيف باستطاعتنا معرفة تفاصيل تحلّل الجسم بعد الوفاة. وتشرح ذلك دوتي بقولها: “بإمكاننا التّعتيم على هذه الحقائق وإخفاء حقيقة الموت حتى لنعتقد أننا أول جيل من الخالدين، وهذا بالطّبع غير صحيح.”

ويتعلّق هذا التّحريم للمواضيع المتعلّقة بالموت بخوف النّاس من الموت إن كان متعلّقاً بهم أو بغيرهم، مما يساهم بنشر المعلومات المغلوطة حول كون الجثث مرتعاً للتّلوّث.

ولهذا يعدّ تذكرةً لنا حول فائدة ارتكاب الأخطاء، واكتساب الكثير من خلال إعادة البحث الواعي في حقيقة التّحلل. ومن المفترض أنّ وجود فكرةٍ واضحةٍ عما قد يحدث للجسم بعد الموت يساعدنا على التّخلّص من تحدينا للموت وفكرة الخلود. كما قد يجعلنا نهتم أكثر بالأشخاص العزيزين على قلوبنا.

وقد لاحظ العلماء أنّ الفكرة المغلوطة حول نشر الجثث للأمراض خرافةٌ لا يمكن تغييرها لدى العامّة؛ والذي غالباً ما يدعمها التّصوير المثير للعواطف في وسائل الإعلام حول الجيفة.

وتعتبر هذه مشكلةً في حالات الكوارث الطّبيعيّة؛ وقد صرّحت منظمّة الصحّة العالميّة أنّ الجثث النّاتجة عن الكوارث الطّبيعية لا تسبّب الأوبئة. وهذه الحقيقة معروفة لأكثر من عشرين سنةً. ويؤدّي فهمنا أنّ الجثث لا تشكّل تهديداً للحياة إلى اتخاذ إجراءات أفضل فيما يتعلّق بالموت، ومساعدة الباقين على تقبّل خسارتهم خلال فترةٍ طبيعيّةٍ بناءةٍ.

وفي النّهاية نأمل أن تساعد هذه المعلومات على تقبّل الفناء والجسم كجزءٍ من الكون.

الوسوم

شبكة طبابة تقدم لمتابعيها خدمة الاستشارة الطبية المجانية باللغة العربية وبالتعاون مع كادرها الطبي في ألمانيا.

أبدأ بالإستشارة المجانية

مقالات ذات صلة