الصحة العامة

ما مدى سلامة السجائر الالكترونية؟

استكملت أحد المراجعات السريرية الحديثة، تلخيص آخر الأدلة المتعلقة باستخدام السيجارة الالكترونية كأداة مساعدة على الإقلاع عن التدخين.

مراجعة حديثة تزن الفوائد والمخاطر الصحية للسجائر الالكترونية.

هل السجائر الالكترونية أقل ضرراً من التدخين، وهل تساعد في الإقلاع عن التدخين؟

هذه هي الأسئلة الرئيسية التي تُطرح على خبراء الرِّعاية الصحية من قبل الرَّاغبين بالتوقف عن التدخين، وهنالك أيضاً قضايا هامَّة أخرى يتمُّ التطرق إليها في النقاش المستمر حول الفوائد والمخاطر المحتملة للسجائر الالكترونية وتنظيمها.

مؤلفوا هذه المراجعة، الذين يعملون في مستوصف أبردين الملكي في المملكة المتحدة، أفادوا بأنَّ هدفهم هو إثراء هذا النقاش بالأدلة العلمية اللازمة.

يقول مؤلف الدراسة أبهي ماثور “Abhi Mathur”، العامل في قسم طب الجهاز التنفسي: ” قلَّة قليلة من الناس يدخنون سجائر التبغ التقليدية، وعددٌ أكبر من الناس يستخدمون السجائر الالكترونية”.

السجائر الالكترونية هي أجهرة تعمل على البطارية، يستخدمها الناس لاستنشاق أو تبخير موادٍّ من ضمنها النيكوتين. هنالك عدة أنواعٍ تُنتجها مئات العلامات التجارية، وسوق هذه السجائر في نموٍّ مستمرٍ.

يدخل النيكوتين إلى الرئتين عبر استنشاق دخان التبغ، وتدخل معه المواد السَّامة الأخرى، كالقطران وأول أكسيد الكربون، إلى أعماق الرئتين، وبالمثل تتسبب السجائر الالكترونية بدخول بعض المواد السَّامة التي يُدخلها دخان السجائر العادية إلى الجسم، لكن الأبحاث تُشير إلى أنَّ مستويات تواجدها في السجائر الالكترونية أقلّ بكثير.

السجائر الالكترونية تتقدَّم على حساب التقليدية

طبابة نت - مخاطر السجائر الالكترونية

تُؤكِّد المعطيات الصَّادرة عن منظمة الصحة العالمية أنَّ عدد مدخني التبغ حول العالم في تراجع، ولكن مع تراجع هذه الظاهرة، مازال هنالك أعداداً كبيرة من الناس المستمرين بالتدخين، ومازال أثر التدخين على الصحة العامة كبيراً جداً.

في عام 2015 أكثر من 1.1 بليون شخص دخَّن منتجات التبغ، وأشار مؤلفوا المراجعة إلى أنَّ هذه العادة ” بقيت سبباً رئيسياً يمكن تجنبه للأمراض والموت المبكر “.

من هذا المنطلق، تشهد ظاهرة استخدام السجائر الالكترونية ارتفاعاً متزايداً في انتشارها، إذ أنَّ الملايين من البشر يستخدمون مجموعة واسعة من المنتجات.

في الولايات المتحدة، قدَّرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أنَّ 6.9 مليون بالغ، أو 2.8 بالمئة من جميع البالغين، كانوا يستخدمون السجائر الالكترونية في عام 2017. كانت تلك نفس السنة التي انخفض فيها استخدام السجائر التقليدية إلى أدنى معدلاته.

في المملكة المتحدة، حوالي 6 بالمئة من السكان، أو 2.9 مليون بالغ، استخدموا السجائر الالكترونية في عام 2017. الأغلبية العظمة من مستخدمي السجائر الالكترونية في المملكة المتحدة ينتمون إمَّا إلى فئة المدخنين الحاليين، وإمَّا إلى فئة المدخنين السَّابقين، مع العلم أنَّ الفئة الثانية تتجاوز حالياً في نسبتها الفئة الأولى.

توقَّف معدَّل استخدام السجائر الالكترونية بين المدخنين الحاليين في المملكة المتحدة عن الارتفاع في عام 2017، بينما استمرَّ معدله بين المدخنين السابقين بالارتفاع، ففي تلك السنة، 52 بالمئة من مدخني السجائر الالكترونية كانوا مدخنين سابقين، مقارنة ب45 بالمئة من الذين كانوا يدخنون السجائر الالكترونية والتقليدية معاً.

يُشير المؤلفون إلى أنَّ 3 بالمئة فقط من مستخدمي السجائر الالكترونية لم يدخنوا في السَّابق أبداً. وخلُصت مراجعة مستقلة أجرتها هيئة الصحة العامة الانكليزية، إلى أنَّه رغم إقدام الأشخاص الذين لم يدخنوا أبداً على تجربة السجائر الإلكترونية، إلا أنَّه كان من المستبعد أن تُعيق السجائر الإلكترونية ظاهرة الانخفاض الطويل الأجل لتدخين السجائر بين الشباب في المملكة المتحدة.

مقارنة بين السجائر الالكترونية والتقليدية

طبابة نت - حقائق عن السجائر الالكترونية

المدخنون الذين يستبدلون السجائر التقليدية بالالكترونية يمكنهم أن يتوقعوا انخفاضاً في خطر إصابتهم بالسرطان، لأنهم يقلِّلون من تعرضهم إلى أكثر من 70 مادة مُسرطنة معروفة في دخان التبغ، هذا ما أشار إليه المؤلفون، كما أنهم استشهدوا بالأبحاث التي تفيد بأنَّ ” احتمال الإصابة بالسرطان” الناتج عن السجائر الالكترونية، أقل بنسبة 0.5 بالمئة من احتمال حدوثه عند تدخين التبغ.

التدخين التقليدي يرفع أيضاً خطر الإصابة بالمشاكل القلبية والموت المقترن بها. في الواقع، عدد المدخنين الذين يموتون بسبب الأمراض القلبية الوعائية أكبر من عدد الذين يموتون من السرطان.

تدخين سيجارة عادية واحدة في اليوم، يمكن أن يرفع خطر الأمراض القلبية إلى نصف الخطر الناتج عن تدخين 20 سيجارة في اليوم.

المساهم الرئيسي لهذا الخطر هو وجود الجسيمات الدقيقة داخل مجرى الدَّم، التي يمكن أن تدخل مجرى الدَّم من خلال استنشاق دخان السيجارة، ويمكن لهذه الجسيمات أن تُثير الالتهابات التي تؤذي القلب وجهاز الدَّوران.

أشارت الأبحاث إلى أنَّ السجائر الالكترونية يمكنها أيضاً أن تُدخل الجسيمات الدقيقة إلى مجرى الدم، واستشهد المؤلفون بأدلة مستقاة من عدَّة دراساتٍ حول تأثيرها.

يمكن لتلك النتائج أن تشرح السبب الذي دفع أحد الاستبيانات، التي أُجريت على 70.000 شخص في الولايات المتحدة، لأن تربط بين السجائر الالكترونية والأمراض القلبية، فتلك الدراسة اقترحت أنَّ الناس الذين يستخدمون السجائر الالكترونية يومياً، كانوا أكثر عرضة لخطر النوبة القلبية من الذين يستخدمونها من وقتٍ لآخر، أو الذين اعتادوا سابقاً على استخدامها، ومن الجدير بالذكر أنَّ الخطر ظلَّ قائماً حتى بعدما استبعد الباحثون الآثار المحتملة لتدخين السجائر التقليدية إلى جانب الالكترونية.

أظهرت أيضاً دراسة أخرى للمزارع الخلوية، أنَّ بخار السجائر الالكترونية يمكن أن يجعل نوعاً من الخلايا المناعية في الرئتين أكثر ميلاً لإثارة الالتهابات، وقد يعرقل عملية تطهير البكتيريا.

الإقلاع عن تدخين السجائر التقليدية والالكترونية

طبابة نت - مخاطر الأرجيلة والتبغ بلا دخان

رغم تسبُّب النيكوتين بالإدمان الشديد عند استنشاقه بالجرعات الاعتيادية، إلا أنَّه لا يسبب أيَّ ضررٍ سريري، بل إنَّ المواد الداخلة إلى الجسم برفقة النيكوتين هي التي تجعل التدخين مضر في الصحة، مما يذكرنا بالقول الشهير : ” الناس يُدخنون ابتغاء الحصول على النيكوتين، ولكنهم يموتون بسبب القطران “.

يقول المؤلفون أنَّ المصنعين كانوا بالأصل قد صمَّموا السجائر الالكترونية، بهدف مساعدة الناس على الإقلاع عن تدخين السجائر التقليدية، حتى أنَّ هذه الأجهزة قد أُدرجت ضمن المبادئ التوجيهية الوطنية المتعلقة بالإقلاع عن التدخين.

يُشير المؤلفون إلى أنه من المنطقي أن يكون استخدام السيجارة الالكترونية قد ساهم في وصول معدلات الإقلاع عن التدخين إلى أعلى مستوياتها في 2017، كما حرص المؤلفون على تلخيص عدة دراساتٍ تدعم تلك الحقيقة.

على سبيل المثال، لاحظت أحد الدراسات التي تابعت استعمال السجائر الالكترونية، أنَّ استعمالها كان مرتبطاً إلى حدٍّ كبيرٍ بمعدل النجاح بالإقلاع عن التدخين، وأظهرت دراسة أخرى أنَّ الإقلاع عن التدخين كان أشهر الأسباب التي دفعت الناس لشراء السجائر الالكترونية.

وأفادت دراسة ثالثة بوجود أدلة تشير إلى أنَّ معدلات الإقلاع عن التدخين، كانت أعلى عندما استعمل الناس السجائر الالكترونية. بالإضافة إلى أنَّ دراسة رابعة، وجدت أنَّ السجائر الالكترونية كانت أكثر فعالية في مساعدة الناس على التوقف عن تدخين السجائر لمدة سنة أو أكثر، مقارنة بالوسائل الأخرى المساعدة على التوقف عنه، أو الإقلاع عنه دون اللجوء إلى الوسائل المساعدة.

يبدو أنَّ بعض الخبراء في مجال الصحة العامة، يؤمنون أنَّ الارتفاع في معدَّل استخدام السجائر الالكترونية هو أمرٌ جيد، طالما أنَّه يتعلَّق بالمدخنين الذين يستبدلون عادة مضرة بعادة أقلَّ ضرراً. إذ يشير المؤلفون إلى احتمال حدوث انخفاضٍ ملحوظٍ بنسبة الضَّرر.

مخاوف جديدة وأدلة محدودة

طبابة نت - السجائر الالكترونية

لكن الباحثون الآخرون لا يوافقون على وجهة النظر هذه، ويشيرون إلى مخاوف متعلقة مثلاً باستعمال السجائر الالكتروننية من قبل الناس الذين لم يدخنوا أبداً، والناس الذين يستمرون بتدخين السجائر التقليدية إلى جانب السجائر الالكترونية.

ويشير هؤلاء الباحثون إلى أنَّ السجائر الالكترونية يمكن أن تصبح وسيلة ” لإعادة ترويج التدخين في المجتمع، الذي ينبغي – من الناحية المثالية –  أن يكون خالياً من التدخين”، بالإضافة إلى أنَّ شراء السجائر الالكترونية يمكن أن يُحبط الامتناع الكامل عن التدخين.

بالنظر إلى محدودية الأدلة المتعلقة بفوائد وأضرار السجائر الالكترونية، من الصَّعب جداً تحديد وجهة النظر الأصح.

أحد المراجعات للدراسات المعمولة عن الإقلاع عن التدخين، والتي شملت السجائر الالكترونية، خلُصت إلى أنَّ استنشاق النيكوتين الموجود في بخار السجائر الالكترونية، يمكن أن يُساعد الناس على الإقلاع عن تدخين السجائر التقليدية لمدة تصل إلى عامٍ واحد، ووصلت مراجعتين أخرتين إلى نتائج مشابهة.

لكن من حيث الأدلة الدَّامغة، فقد أشار المؤلفون إلى أنَّ المراجعات الثلاث، كانت قد اعتمدت على نتائج اثنين فقط من التجارب العشوائية الخاضعة للمراقبة.

الأدلة المستقاة من الدراسات الرَّصدية – التي تابعت الناس الذين دخنوا مع مرور الوقت – كانت مختلطة. وكانت نتائجها مخنلفة عن نتائج التجارب الخاضعة للمراقبة، ونسب الباحثون ذلك الاختلاف إلى أحجام العينات، وأنواع الأجهزة المستخدمة، وغيرها من العوامل.

معظم الدراسات الرَّصدية كانت قد اختبرت معدلات الإقلاع عن التدخين بين المدخنين التقليديين، والذين يستخدمون السجائر الالكترونية، والذين لا يستخدمونها. أظهرت بعض تلك الدراسات عدم وجود فوائد من السجائر الالكترونية، بينما خلُص بعضها الآخر إلى أنَّ استخدام السيجارة الالكترونية يُقلِّل بالفعل من معدلات الإقلاع عن التدخين. ووصل تحليلٌ أُلحِقَ بتلك الدراسات إلى نفس الاستنتاج: الناس الذين يدخنون السجائر التقليدية إلى جانب الالكترونية، كانوا أقل ميلاً للإقلاع عن التدخين.”

على كلِّ حال، يمكن للفوارق في أنماط تدخين السجائر الالكترونية، أن تلعب دوراً في هذه النتيجة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن توجد اختلافات في معدلات الإقلاع عن التدخين بين الناس الذين يستخدمون السجائر الالكترونية بشكلٍ يوميٍّ، مقارنة بالذين نادراً ما يستعملونها.

يوجد موضوعٌ آخر يُثير المخاوف، وهو العدد المتزايد للأشخاص الصغار بالسِّن، الذين لم يسبق لهم أن دخنوا، ومع ذلك قرَّروا استعمال السجائر الالكترونية. في المملكة المتحدة، ارتفع استخدام السيجارة الالكترونية في هذه المجموعة إلى 18-29 بالمئة خلال 2014-2016.

هنالك أدلة متزايدة، كالتي صدرت من الولايات المتحدة، تُفيد بأنَّ استخدام السجائر الالكترونية بين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 30 سنة، يرتبط بارتفاع احتمال تدخينهم لسجائر التبغ.

يستمر النقاش

طالما يستمر الملايين بتدخينن السجائر التقليدية، فمن المرجح أن يبقى تركيز الجهات الصحية العامة متمحوراً حول استخدام السجائر الالكترونية كوسيلة تساعد الناس على الإقلاع عن تدخين التبغ، والتوجيهات الصَّادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية في أسكتلندا، والموقعة من قبل الكلية الملكية للأطباء في إدنبرة، تعكس هذا الرأي.

مقارنة مع المدة الطويلة التي مرَّت منذ بدء تدخين التبغ، والعدد الهائل من الأدلة المشيرة إلى مخاطره، يمكننا القول أنَّ الأبحاث المعمولة على السجائر الالكترونية مازالت في مرحلة مبكرة إلى حدٍّ كبير، وقد نحتاج للعديد من السنوات قبل توافر الأدلة الكافية، التي تمكنَّا من الحكم بشكلٍ قاطعٍ على فوائد ومضار السجائر الالكترونية.

مازال الجدل مستمراً بما يخص سلامة استخدام السجائر الالكترونية، لكن هيئة الخدمات الصحية الوطنية في أسكتلندا وإنجلترا، وصلتا إلى النتيجة التي تُفيد بأنَّ بخار السجائر الالكترونية أقل ضرراً من تدخين التبغ.”

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق