fbpx
الصحة النفسية

تجربة الاقتراب من الموت حقيقة أم خيال؟

“فجأةً. وداخل دوامةٍ من الألم تراءى لي ضوءٌ خافتٌ قادم من بعيد، وهو يقترب مني شعرت بالهدوء والسّكينة. كم كان دافئاً، شعرت معه بالدّفء وتلاشى الألم. وأخيراً وعندما وصلت، شعرت بذراعين تطوقان جسدي، شعرت بالأمان حيث لا ألم ولا عذاب، لا شيء غير إحساسٍ بالاهتمام.”

هذا القول أعلاه يعود لامرأةٍ تبلغ الثّامنة والأربعين من عمرها كانت قد شارفت على الموت من جرّاء مضاعفات الورم الفقري، مما حرّض الشّعور العام حول العودة للحياة بعد الموت.

يعرف مصطلح “تجربة الاقتراب من الموت” Near Death Experience” في جميع بقاع العالم ويشمل جميع الثّقافات، حتى أنّ هذه التجربةٌ وجدت لدى الأطفال.

وقد تتضمّن هذه التّجربة المسير نحو ضوءٍ ساطع في نهاية نفقٍ، أو رؤية الله، أو مقابلة أقارب متوفّين، أو انسلاخاً عن الجسد أو الشّعور بإحاطة النّور حول الشّخص. وترجع أهميّة هذه التّجربة للنّقاشات التي تدور حول موضوع ما بعد الموت وحياة العقل بعد موت الجسد.

وتصنّف هذه الحكايات الخفيّة ضمن العلم الزّائف والباراسيكولوجيا، ونظراً لانتشارها فقد شجّعت هذه الظّاهرة البحث العلمي وروابطه الكثيرة، وقد أبلغ 3% من الشّعب الأمريكي عن تجارب مشابهة.

عناصر هذه الظّاهرة

نشرت دراسةً هولنديّةٌ تحقيقاً في صحيفة The Lancetحول ظاهرة تجربة الاقتراب من الموت ومعرفة عواملها.

وقد أفادت التّحقيقات أن 50% من الأشخاص الذين مرّوا بهذه التّجربة كانوا على درايةٍ بموتهم، واعتبرها 56% تجربةً إيجابيّةً، وأكّد 24% انسلاخهم عن الجسد، ووصف 31% العبور في نفق، أما 32% تحدثوا عن رؤيتهم لأناس متوفّين.

وأظهرت الدّراسة أنّ 18% فقط من المرضى كانوا قد اختبروا أو تذكّروا مرورهم بتجربة الاقتراب من الموت رغم أنّهم كانوا قد توفّوا سريريّاً في مرحلةٍ ما. ولم يتم ربط تجربة الاقتراب من الموت بنقص التروية الدّماغية cerebral anoxia، أو حجم الخوف السّابق أو الأدوية التي يتعاطونها.

ووفقاً للبحث، أغلب الذين مرّوا بهذه التّجربة كانوا تحت السّتين من عمرهم، وكانت تجربة النّساء هي الأقوى. أما فيما يخصّ الذين أصيبوا بمشاكل في الذّاكرة بعد هذه التّجربة فكانت تجربة الاقتراب من الموت أمراً نادراً.

ومن المؤكّد وجود أسبابٍ لهذه الظّاهرة لكنّها مازالت موضع خلاف.

الانفتاح الثّقافي لهذه الظّاهرة

يرجع التّميّز في هذه الظّاهرة للتّرابط بين العوامل النّفسيّة والفيزيولوجيّة من جهة والعوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة من جهةٍ أخرى. فعلى سبيل المثال قد تكون تجربة شخصٍ من ثقافةٍ وعرقٍ ما مختلفةً عن تجربة شخص من ثقافةٍ أو عرقٍ آخر. فمنهم من يرى رجلاً ملتحفاً باللون الأبيض ومنهم من يرى حدائق وبراكين ومنهم من يرى معالم أو أنفاق ومنهم من يرى ضوءاً ساطعاً أو يتوهّمون التّقمّص.

وهذه القصّة جرت عام 1992 يتلوها شاب أفريقي تعرّض لهجوم لبوةٍ عند محاولته صيد إحدى صغارها:

“وجدت نفسي أمر بغيبوبةٍ ما، وفجأةً تراءى لي طريقٌ يمتدّ بلا نهاية إلى سماءٍ مليئةٍ بالنّجوم. لكنّني كلما حاولت عبور هذا الطّريق أغلقته النّجوم، فأقف عاجزاً دون حيلةٍ. وبعد حينٍ من الزّمن تلاشت النّجوم والطّريق معها، لأستيقظ وأجد نفسي في المستشفى.”

وغالباً ما يرى الأوربيون والأمريكيون الشّماليون حدائق جميلة، على نقيض شعب الكالاي في ميلانيزيا الذي يرى عالماً صناعيّاً زاخراً بالمعامل. مما يبدو أنّ أحلام وأماني الشّخص تؤثّر على طبيعة تجربة العودة للحياة بعد الموت.

الآليّة البيولوجيّة وراء هذه الظّاهرة

لا يمكن تجاهل هذه الظّاهرة واعتبارها نسجاً من الخيال، حيث أنّ هناك آليّة بيولوجية لتفسير انتشارها.

تزعم بعض الأبحاث وجود خللٍ في هذه النّظرية العلميّة العصبيّة، وتكشف هذه التّجربة الوجه المخفي لحقيقة وجودنا.

ويعتقد الكثيرون بضرورة فصل العقل عن وظيفة الدّماغ نهائيّاً. لكنّ هذا النّوع من التّفكير لا يفسّر هذه الظّاهرة بل يؤكّد على أصلها الخارق للطّبيعة، وقد اعتبرها حقل العلم العصبي الإدراكي إحدى قدرات الدّماغ.

وتوجد بعض التّفسيرات والتي تتضمّن تجارب شخصيّة. وهنا نستعرض بضع المحاولات لتفسير الأصل البيولوجي لهذه الظّاهرة.

التّوقع

يلعب التّوقع دوراً في تجربة الاقتراب من الموت، والاختلافات الثّقافيّة المذكورة أعلاه شهادةٌ على ذلك.

من المثير للاهتمام أنّ هذه الظّاهرة تحدث أحياناً للأشخاص الذين لم يقتربوا من الموت قيد أنملةٍ، بل توهّموا ذلك. ففي إحدى الدّراسات التي شملت 58 مريضاً مرّوا بتجربة الاقتراب من الموت، تمّ إيجاد أنّ 30% منهم من لم يقترب من الموت.

الانسلاخ عن الجسد

يعتبر الانسلاخ عن الجسد جزءاً شائعاً في ظاهرة العودة للحياة بعد الموت ويتضمّن مناظرة الذّات autoscopy (مشاهدة الشّخص لكامل جسده كما لو أنّه في نقطة مشرفة على بعد). ورغم أنّها تبدو حادثةً أخرويّة إلا أنّ علماء الأعصاب على درايةٍ أنّ الانسلاخ عن الجسد يحدث في ظروفٍ أخرى غير ظاهرة الاقتراب الموت.

وعلى سبيل المثال، يعتبر الانسلاخ عن الجسد أمراً شائعاً خلال نوبة الشّلل النّومي sleep paralysis والتي تصيب أكثر من 40% من الأشخاص في فترةٍ من حياتهم. ويحدث الشّلل النّومي عندما يكون الشّخص في طور حركة العين السّريعة REM أثناء النّوم، بينما يكون الدّماغ مستيقظاً بشكلٍ جزئي. فخلال طور الحركة السّريعة للعين يقوم الدّماغ بشلّ الجسد لمنعه من تنفيذ حلمه، ويبقي العقل على الجسد ثابتاً طالما أنّه على يقينٍ أنّ الشّخص نائم، مما يعرض الشّخص لرؤية كابوسٍ يقظةٍ مرعبٍ. وقد تكون هذه التّجربة عبارةً عن شعورٍ بالطّواف خارج الجسد ورؤية الغرفة من منظورٍ أعلى في السّقف.

وكشفت دراسات أخرى أن تحريض منطقة الموصل الصّدغي الأيمن right temporoparietal junction (TPJ) قد يحرّض على تجربة صناعيّة في الانسلاخ عن الجسد. وTPJ هو جزءٌ في الدّماغ يقارن المعلومات من المهاد (منظّم الوعي والنّوم واليقظة) والجهاز الحوفي (المتضمن المشاعر والدّافع والسّلوك والذّاكرة طويلة الأمد) إضافةً للحواس الخمس.

ولذلك وبغضّ النّظر عن ماهيّة الشّعور بمناظرة الذات فمن الممكن شرحها من وجهة نظرٍ علميّةٍ عصبيّةٍ.

رؤية المتوفّين

وهذه حالةٌ شائعةٌ في العودة للحياة بعد الموت ويمكن أن نعزوها للتّوقّع. كما تزخر الثّقافات برواياتٍ عن الآخرة ومقابلة الأشخاص المقرّبين في الجنّة.

كما يعرف المصابون بالزّهايمر وداء باركنسون Parkinson بتوهّمهم رؤية أشباح، وقد بلّغ بعضهم عن رؤية أقاربهم المتوفّين في منزلهم. وتمّ ربط رؤية هذه الأطياف بعملية “بضع الكرة الشّاحبة” pallidotomy lesion والتي هي عبارةٌ عن عمليّةٍ جراحيّةٍ تجرى للمصابين بداء باركنسون.

وتعزى هذه التّجارب إلى اختلالٍ وظيفيٍّ في مسارات الدوامين أي النّاقل العصبي الذي يدخل مسار المكافأة في الدّماغ والذي يسبّب الهلوسة.

من المستغرب عدم معرفتنا الجيّدة للهلوسة، فالدّماغ يحوّل الحواس إلى تجارب بطريقةٍ مذهلةٍ.

وإنّ كلّ صدعٍ في المجال الإدراكي ما هو إلا ملء الدّماغ للثغرات المجهولة، فعلى سبيل المثال، يلاحظ الجميع نقطاً سوداء عند التقاء العصب البصري بالشّبكيّة. وفي هذا القسم من حقل الرؤية لا نستطيع رؤية شيءٍ على الإطلاق، لكنّنا لا نلاحظه لأنّ الدّماغ يملأ هذه الفراغات ببساطة.

لكن في أوقاتٍ معيّنةٍ، عندما نكون مكرهين أو تحت ضغط معين فإنّه يملأ الفراغ بتخيّلات مرعبة.

وفي التّنكس البقعي macular degeneration يتم ملء مركز الحقل البصري بالتّدريج؛ وقد بلّغ المرضى عن حالات هلوسة تتضمّن الاعتياد على رؤية أشباح. وربما يكون السّبب في ذلك محاولة الدّماغ إدراك الضّجيج العصبي النّاتج عن خللٍ أو تلقّيه رسالةً ناقصة.

بالمختصر، ليس من المفاجئ إصابة الدّماغ بالهلوسة عند استقباله لإشارات غير مألوفة أو عدم استقباله الإشارات المناسبة.

تفسير الشّمق euphoria (النّشاط ومرح الجنون)

غالباً ما تعتبر ظاهرة الاقتراب من الموت تجربةً مفرحةً، لكنّها تبدو أمراً متناقضاً بالنّظر إلى الظّروف المحيطة بها. لكن قد تم اكتشاف أنّ عدداً من العقاقير التّرفيهيّة recreational drugs تقلّد الجوانب البصريّة والعاطفيّة لظاهرة الحياة بعد.

وعلى سبيل المثال، إنّ الكيتامين ketamine الذي يستخدم للتّرفيه والتّخدير قد يسبّب الهلوسة والانسلاخ عن الجسد والشّمق والتّفارق dissociation والتّجارب الرّوحيّة. وذلك بتأثيره على مستقبلات N-methyl-D-aspartate (NMDA)، وهي نفس النّواقل المستخدمة من قبل أدويةٍ ترفيهيّةٍ أخرى مثل أمفيتامين amphetamines.

وعلى سبيل المثال، عندما يكون الحيوان مهدّداً بالخطر تنطلق مسارات الدوبامين والأفيون. ويبدو الدّور الذي تلعبه مسارات المكافأة واضحاً خلال أحداث الرّضح. ورغم جهلنا السّبب في ذلك، إلا أنّه لا ليس هنالك مجالٌ للشكّ بوجودها عند التّعرّض للخطر.

وقد يفسّر غمر الدّماغ بالأفيون الطّبيعي سبب الشّعور الكبير بالهدوء والرّاحة عند التّعرض لصدمةٍ ما.

نفق النّور

موقع طبابة نت - الاقتراب من الموت حقيقة أم خيال

ربما تكون هذه أحد أشهر مظاهر الاقتراب من الموت. ويفسّرها بعض الباحثون بنقص تروية الشّبكيّة retinal ischemia (نقص الأكسجين في الشّبكيّة).

وتنصّ هذه النّظرية على أنّ انعدام الأكسجين عن الشّبكيّة يؤدّي إلى انحسار الرّؤية المحيطيّة بالتّدريج مع بقاء الرؤية في مركز حقل الرّؤية فقط؛ حيث يتسبّب بها الرّعب الشّديد ونقصان الأكسجين (نقص التّأكسج (hypoxia واللذان يترافقان مع الاحتضار.

لا شكّ من كون تجربة الاقتراب من الموت ظاهرةً معقّدةً هي وما يقبع وراءها من آليّات متعدّدة؛ بدءاً من نقص الأكسجين الذي يؤثّر على النّظام البصري مروراً بمجهود الدّماغ بالتّعرّف على المشاعر الغريبة، ومن انطلاق مسارات المكافأة الشّبيهة بالمخدّرات إلى التّوقعّات المرتبطة بالثّقافات المختلفة. ويعتبر الاقتراب من الموت أو حتى الاعتقاد بذلك تجربةً فيزيولوجيّةً ونفسيّةً فريدةً، فلا عجب مما يمرّ به الشّخص عندها من أصوات ومناظر محيّرةٍ. وقد لا يتمّ الكشف عن الطّبيعة المحدّدة لكلّ ظاهرةٍ منها على حدي حتى مرور العديد من السّنوات؛ ذلك وتعتبر ملاحظتها عند حدوثها في أصعب مرحلةٍ من حياة الشخّص أمراً لا يستهان به. وقد تؤثّر العرقيّات على التّدخّل التجريبي.

وفي النّهاية، لابدّ لنا من القول أنّ تجربة الاقتراب من الموت أمرٌ مذهلٌ وربما لا تكون مرتبطةُ بالآخرة.

الوسوم

شبكة طبابة تقدم لمتابعيها خدمة الاستشارة الطبية المجانية باللغة العربية وبالتعاون مع كادرها الطبي في ألمانيا.

أبدأ بالإستشارة المجانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق