fbpx
الأمراض وعلاجها

تأثير رياضة الجري على صحة القلب

لنفترض أن 50 رجلاً شاركوا في 3.510 ماراثوناً خلال مدة ثلاثة عقود، فهل ستتحسن صحة قلوبهم نتيجة لذلك أم ستتضرر؟

للإجابة عن هذا السؤال بالتحديد أُجريت دراسة حديثة حول ذلك الموضوع، وخلُصت إلى أن الجواب مطمئنٌ ومعقدٌ في نفس الوقت، فبالرغم من أن ممارسة تمارين التحمل لسنوات طويلة لا تؤدي لأذية صحة قلوب العدائين، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن تلك التمارين ستنفع الرياضيين بالطريقة التي يتوقعونها.

على مر الأربعين سنة الماضية تقلبت وجهات النظر حول آثار التمارين المجهدة على صحة القلب، ففي مرحلة ما كان الكثير من الناس يعتبرون تمارين التَّحمل بأنها العلاج الشافي لكل مشاكل القلب، فقد أشار 1977 تقريراً موجوداً في سجلات أكاديمية نيويورك للعلوم إلى أن الركض لمسافات طويلة واتباع نظام غذائي صحي يمكن أن يحصن تماماً من الإصابة بمرض تصلب الشرايين أو من تراكم اللويحات في الشرايين والذي يُعدُّ من العلامات المميزة لمرض القلب، ولكن النوبات القلبية التي تسببت بوفاة بعض العدائين بمن فيهم الرياضي الشهير جيم فيكس مؤلف كتاب (الكتاب الشامل لرياضة الجري) والذي توفي عام 1984، أثارت قلق الكثير من العلماء والأطباء والرياضيين، و بدأوا بالشك في أن ممارسة التمارين المجهدة يمكن أن تكون في الواقع مضرة لصحة القلب على المدى البعيد، فثمة بعض الدراسات الحديثة الداعمة لتلك الفكرة، كالتي أشارت إلى أن قلوب الذكور من الرياضيين الذين مارسوا تمارين التحمل على مدى حياتهم يمكن أن يوجد فيها عدداً أكبر من اللويحات أو مؤشرات أمراض القلب الأخرى كالتندب، وذلك مقارنة بقلوب الرجال الأقل نشاطاً والمنتمين لنفس الفئة العمرية.

كما وجدت دراسة محدودة قُدمت في الجمعية الأميركية للطب الاشعاعي أن الفحوصات التي أُجريت على مجموعة من الرياضيين الرجال في منتصف عمرهم أظهرت أن الذين كانوا يتدربون ويتنافسون أكثر من غيرهم كانت نسبة التندُّب في قلوبهم أكبر بقليل من نسبة التندب في قلوب باقي الرياضيين، ولكن الدراسات الحديثة الأخرى زادت الأمر تعقيداً عندما أظهرت أنه حتى في حال إصابة الناس الذين يمارسون رياضة التحمل لفترة طويلة بأمراض القلب كتصلب الشرايين فإن مرضهم سيكون مختلفاً وأقل حدة من أمراض القلب التي يصاب بها الناس الأقل نشاطاً.

ولإيضاح القضية التي تزداد تعقيداً والتي تتمحور حول أثر تمارين التحمل على القلب، قام باحثون ينتمون لجامعة مينيسوتا ولجامعة ستانفورد وبعض المعاهد الأخرى بإجراء دراسة تُركِّز على مجموعة معينة من العدائين تتألف من رجال شاركوا على الأقل بخمسة وعشرين ماراثونا متتالياً من الماراثونات التي تقيمهم مدينة سانت بول في ولاية مينيسوتا، وبحسب سجلات المارثون وُجد بأن الخمسين عداءً المشاركين في الدراسة قد أنهوا 3.510 ماراثوناً، وبأن كل عداءٍ منهم قد أنهى لوحده ما بين ال27 و 171 سباقاً من تلك السباقات، وكان من الواضح أن هؤلاء الرجال قد مارسوا تمارين التحمل وتدربوا على طول 26 سنة من حياتهم بل بعضهم تدرب لأكثر من 50 سنة، والكثير منهم بدأ بالمشاركة في المنافسات منذ مرحلة الدراسة الثانوية أو أبكر، ولكن بعضهم الآخر كان قد بدء بممارسة الرياضة في مرحلةٍ متأخرةٍ من حياته، فالتقارير أفادت بأن هؤلاء بدأوا بالرياضة من أجل تخفيف الآثار السلبية لبعض خياراتهم الحياتية السابقة كالتدخين أو الإكثار من تناول المأكولات السريعة، كما أن معظم المشاركين كانوا نحيلين في أيام الدراسة، ولكن صُنف بعضهم بأن لديه وزناً زائداً وذلك اعتماداً على مؤشر كتلة أجسامهم، وأشارت التقارير أيضاً إلى أن معظمهم ركضوا لمسافة 30 ميلاً في الأسبوع أو أكثر.

طلب الباحثون من العدائين تعبئة استبيان مفصل عن عاداتهم الرياضية وعن تاريخهم المرضي العام وعاداتهم اليومية، ومن ثم فحصوا قلوبهم للكشف عن مرض تصلب الشرايين، وأثبتت الفحوصات خلو قلوب 16 عداءً من أي تراكمٍ للويحات، أما الآخرين فبينت فحوصاتهم أن لديهم بعض الترسُّبات، فقد تبين أن 12 منهم لديه كميات طفيفة، و12 آخرون لديه مستويات معتدلة، و10 لديهم ترسباً لكميات كبيرة ومقلقة من اللويحات.

وعندما قارن العلماء تاريخ الجري للعدائيين بنتائج فحوصات القلب وجدوا صلة ضعيفة بين النسبة العامة لممارستهم لرياضة الجري وبين نسبة اللويحات الموجودة في شرايينهم، فالذين شاركوا بعدد أكبر من الماراثونات لم تكن نسبة خطر تعرضهم للإصابة بتراكم اللويحات في الشرايين أكبر أو أقل من نسبة خطر إصابة الرجال الذين شاركوا في عدد أقل من السباقات مما يعني أن ممارسة رياضة الجري بشكل مكثف لم ترفع بحد ذاتها من خطورة الإصابة بمرض القلب، وبالمقابل ربط العلماء بين معدلات اللويحات المرتفعة وبين من كان لديه تاريخاً بالإفراط بالتدخين وارتفاع معدل الكوليسترول، وخاصة بالنسبة للرجال الذين بدأوا بالجري في مرحلة متأخرة من حياتهم.

يقول الدكتور ويليام أو. روبرتس ” William O. Roberts”، وهو أستاذ طب الأسرة والمجتمع في جامعة مينيسوتا، ورئيس هذه الدراسة: ” تَمثَّل الجانب الإيجابي في أن نتائج الدراسة أثبتت أن سنوات الركض المكثف لم تؤذ صحة قلوب العدائين بل لعلها ساعدت بالفعل في الحفاظ على صحة شرايين بعضهم “، ولكن التمارين لم تُحصِّن من كان لديه تاريخاً في اتباع الخيارات الحياتية غير الصحية (خاصة التدخين) من خطر الإصابة بأمراض القلب، فكما قال الدكتور: “لا يمكنك إلغاء ماضيك”.

من الجدير بالذكر أن الدراسة كانت محدودة نسبياً وركزت على فئة معينة من الرجال القوقازيين ممن توفرت لديهم القدرة الجسدية والاقتصادية والنفسية على متابعة التنافس بالجري لعدة سنوات، فمن غير الواضح ما إذا كانت الدراسة تنطبق بالتساوي على أُناس آخرين ورياضات أخرى. ( نشر الدكتور روبرتس وأعوانه دراسة محدودة أخرى في بداية هذه السنة عن إناث عداءات، وأظهرت نتائج الدراسة خلو قلوبهن تقريباً من اللويحات)، ويجب أن نُدرك أيضاً أن هذا النوع من الدراسات يمكنه أن يُرينا فقط العلاقة بين الجري وبين صحة القلب، ولا يمكنه إثبات تسبب الجري بشكل مباشر بإحداث أية تغييرات في القلب، وبالرغم من ذلك فإن النتائج يمكن أن تُهدىء بعض مخاوف العدائين والعائلات المتعلقة بصحة القلب بعد ممارسة التمارين لمدة طويلة، ولكن إن أضعت شبابك بالتدخين وباتباع العادات الغذائية السيئة أو في حال كانت أمراض القلب جزءاً من تاريخ عائلتك المرضي فمن المفضل، كما ينصح الدكتور روبرتس، أن تستشر طبيبك ليجري لك الفحوصات القلبية اللازمة، وذلك حتى لو أنهيت ماراثوناً أو اثنين أو حتى مئة.

الوسوم

شبكة طبابة تقدم لمتابعيها خدمة الاستشارة الطبية المجانية باللغة العربية وبالتعاون مع كادرها الطبي في ألمانيا.

أبدأ بالإستشارة المجانية

مقالات ذات صلة